جريدة الرياض - 9/18/2026 5:17:05 AM - GMT (+3 )
التوازن والانتباه والثقة.. كيف يغيّر الحصان حياة أطفال التوحد خطوة بخطوة ؟
لثلاث سنوات متتالية، كانت «أم محمد» تكرر السؤال نفسه على كل مختص تقابله: هل سيتحسن ابني يوماً؟ محمد، الذي شُخّص بالتوحد وهو في الثالثة من عمره، كان يرفض أي تواصل بصري مع من حوله، ويصاب بنوبات غضب حادة عند أي تغيير مفاجئ في روتينه اليومي، إلى الحد الذي جعل والدته تتجنب الخروج به إلى الأماكن العامة تفادياً لمواقف محرجة اعتادت عليها الأسرة أكثر مما اعتادت عليها هي نفسها.
بعد سنوات من العلاج السلوكي والنطقي التقليدي دون تقدم يُذكر في جانب التواصل الاجتماعي تحديداً، اقترح أحد المختصين على الأسرة تجربة برنامج علاج بالفروسية ضمن خطة علاجية مكملة. تصف الأم الجلسة الأولى بأنها كانت أقرب إلى «معجزة صغيرة» لم تتوقعها: محمد، الذي يرفض عادة لمس أي شيء غريب عليه، مدّ يده من تلقاء نفسه ليلمس رقبة الحصان بعد دقائق قليلة من وصوله، دون أي إلحاح من المدرب. لم يتحدث، ولم يبتسم بوضوح، لكنه ظل هادئاً طوال الجلسة، وهو أمر لم تعتد عليه أهله في أي نشاط جديد آخر.
بعد نحو عشرين جلسة أسبوعية متتالية، بدأت الأسرة تلاحظ تغيراً تدريجياً لم يقتصر على وقت الجلسة نفسها: أصبح محمد أكثر تقبلاً للمس الجسدي من أفراد أسرته، وتراجعت حدة نوبات الغضب لديه بشكل ملحوظ، كما بدأ ينطق كلمات بسيطة مرتبطة بالحصان مثل «حصان» و»يركب»، وهي كلمات لم يكن ينطقها من قبل بشكل عفوي. تقول الأم إن أكبر تغير لمسته لم يكن في الحصان نفسه، بل في طريقة نظر ابنها إليها بعد كل جلسة، وكأنه يريد أن يخبرها بشيء عاشه للتو.
إعادة بناء الثقة بالنفس
على عكس محمد، لم تكن «سارة»، الطفلة التي تجاوزت السابعة من عمرها، تعاني من مشكلات حركية واضحة، بل كانت تحدياتها أقرب إلى الانسحاب الاجتماعي الشديد والخوف المفرط من أي موقف جديد أو غير مألوف. كانت تفضل البقاء في زاوية الغرفة بمفردها حتى داخل بيئتها المدرسية، وترفض المشاركة في أي نشاط جماعي مهما كان بسيطاً. يروي والدها أن أول لقاء لها مع الحصان لم يكن سهلاً على الإطلاق؛ فقد بكت بشدة ورفضت الاقتراب لمسافة تزيد عن عدة أمتار، واستغرق الأمر جلستين كاملتين قبل أن توافق على مجرد الوقوف بجانب الحصان دون ركوبه. لكن المدرب المختص لم يستعجل الأمر، واكتفى في البداية بتعريفها تدريجياً على الحصان من خلال الأنشطة الأبسط مثل تمشيطه أو مراقبته من مسافة آمنة، قبل الانتقال إلى مرحلة الركوب الفعلي بعد أسابيع. مع مرور الوقت، تحول الخوف إلى ما يشبه الروتين المنتظر بفارغ الصبر؛ أصبحت سارة تسأل عن موعد الجلسة القادمة بنفسها، وهو تصرف مبادر لم تكن تقوم به في أي جانب آخر من حياتها اليومية. يلاحظ والدها أن ثقتها بنفسها تحسنت بشكل واضح تجاوز حدود الإسطبل نفسه؛ فقد بدأت تشارك بشكل أكبر في الأنشطة المدرسية الجماعية، وتراجع خوفها من المواقف الجديدة بشكل عام، وهو ما يصفه بأنه «أثر غير مباشر» لم يكن متوقعاً حين بدأت الأسرة هذه التجربة. هاتان القصتان، وإن اختلفت تفاصيلهما، تعكسان نمطاً متكرراً في تجارب العلاج بالفروسية لأطفال التوحد حول العالم: أثر لا يقتصر على الجانب الحركي أو الحسي المباشر، بل يمتد إلى جوانب أعمق من التواصل الاجتماعي والثقة بالنفس، وهو ما يفسر التوسع المتزايد في اعتماد هذا النوع من العلاج كأداة تكميلية إلى جانب البرامج العلاجية التقليدية.
إيقاع يشفي الجسد
يكمن جوهر الفكرة في طبيعة الحركة نفسها. فحين يعتلي الطفل ظهر الحصان، ينتقل إلى جسده نمط حركي إيقاعي ثلاثي الأبعاد يحاكي إلى حد بعيد نمط حركة الحوض البشري أثناء المشي الطبيعي، وهو ما يجعل الحصان من الناحية الحركية بمثابة أداة تدريب على أنماط حركية لا يستطيع الطفل الوصول إليها بمفرده. لكن الفائدة، بحسب المختصين، لا تتوقف عند الجانب الحركي وحده. يوضح الدكتور سلطان الشلوي، أخصائي العلاج الطبيعي في جامعة الملك سعود، أن هذا النوع من العلاج يجمع بين البعد النفسي والبعد العضوي في آن واحد، مستنداً إلى قدرة الحصان الفطرية على الاستجابة الفورية لسلوك من يمتطيه وفهم إشاراته والتفاعل معها دون أن يحتاج الطفل إلى الكلام. ويرى الشلوي أن هذا الأسلوب يمثل تطبيقاً حياً لمفهوم الطب الشمولي الذي يعالج الإنسان دون تدخل جراحي أو دوائي، مفسراً الأثر العلمي للعلاج بأن حركة الفقرات العلوية للجسم أثناء ركوب الخيل تسرّع من تدفق السائل النخاعي بين العمود الفقري والدماغ، ما ينعكس إيجاباً على سرعة استجابة الجهازين العصبي والهرموني لدى الطفل.
من زاوية مكملة، تشرح ميلاني بوتوك، أخصائية أمراض النطق واللغة، أن العلاج بركوب الخيل يمنح الطفل فرصة اختبار أنواع متعددة من التحفيز الحسي المفيد في وقت واحد؛ فبينما تتلقى عضلاته ومفاصله تحفيزاً حسياً عميقاً أثناء تبدّل وضعيته بين الجلوس والوقوف فوق الحصان، يستقبل دماغه في اللحظة ذاتها إشارات متجددة لاستشعار التوازن والحركة.
نجاح بدون توثيق
على المستوى المحلي، تحمل مدينة سلطان بن عبد العزيز للخدمات الإنسانية بالرياض تجربة مؤسسية رسمية في هذا المجال، إذ تُعد برامج العلاج بالخيول لديها من الأساليب الحديثة المعتمدة لتحسين القدرات الحركية للأطفال ذوي الإعاقة، وقد لاحظ الفريق الطبي المشرف على هذه البرامج تحسناً ملموساً لدى حالات الشلل السفلي على وجه الخصوص، بفضل إسهام هذا النوع من العلاج في تقوية العضلات، وتحسين التوازن العام للجسم، وتعزيز التنسيق الحركي بين أجزائه المختلفة. لكن هذه الملاحظات الميدانية الواعدة لا تزال، إلى حد كبير، بلا سند بحثي أكاديمي كافٍ على المستوى الوطني. فباستثناء دراسة أجرتها جامعة الطائف عام 2021م، وتناولت تحديداً الربط بين العلاج بالخيل وحالات الجنف (انحناء العمود الفقري) لا التوحد بشكل مباشر، وخلصت إلى وجود استجابة إيجابية ملموسة لهذا النوع من العلاج شريطة استمرار المريض في تمارين العلاج الطبيعي التقليدية بالتوازي، تبقى المكتبة البحثية السعودية شبه خالية من دراسات محكّمة تتناول تحديداً تقاطع الفروسية العلاجية مع اضطراب طيف التوحد.
هذه الفجوة تطرح سؤالاً مشروعاً: إذا كانت التجارب الميدانية القائمة تشير إلى فاعلية واضحة، فما الذي يعيق تحويل هذه الملاحظات إلى بحث علمي موثّق يُنشر في دوريات محكّمة، ويصبح مرجعاً يُبنى عليه لتوسيع هذا النوع من البرامج على مستوى المملكة، بدل بقائه محصوراً في عدد محدود من المراكز؟
دراسات تؤكد الأثر
في دراسة نُشرت عام 2025م بعنوان «أثر ركوب الخيل العلاجي في تحسين التوازن لدى أطفال اضطراب طيف التوحد»، خضع 15 طفلاً تراوحت أعمارهم بين السابعة والخامسة عشرة، غالبيتهم من الذكور، لبرنامج علاجي امتد على مدى 20 جلسة أسبوعية متتالية. ولم تكتفِ الدراسة برصد التحسّن في التوازن الجسدي فحسب، بل تتبعت أيضاً أثر البرنامج على السلوك التكيفي للأطفال، ومستوى التوتر النفسي لدى آبائهم وأمهاتهم، وطبيعة تفاعل كل طفل مع المعالج والحصان بمرور الجلسات. وفي سياق بحثي مشابه، خلصت دراسة أخرى أُجريت في الجزائر بعنوان «فعالية العلاج بركوب الخيل في تحسين الانتباه لدى المصاب باضطراب طيف التوحد»، واعتمدت على دراسة حالة فردية لطفل في التاسعة من عمره، إلى نتائج داعمة لفرضية أن الانخراط المنتظم في جلسات ركوب الخيل ينعكس إيجاباً على قدرة الطفل على التركيز والانتباه لفترات أول، وهي إحدى أكثر التحديات شيوعاً لدى الأطفال ضمن طيف التوحد.
نموذج خليجي داعم
في مملكة البحرين، يقدّم مركز متخصص بالفروسية العلاجية وهو أول مركز متخصص في العلاج لحالات اضطراب التوحد في الخليج، أنموذجاً داعماً لما تشير إليه التجربة السعودية. يروي مؤسس المركز، علي ربيعة، وهو عضو فخري في جمعية التوحديين البحرينية وحاصل على شهادات تدريبية متخصصة من إسبانيا، أن الإقبال على هذا النوع من العلاج تجاوز حدود البحرين نفسها ليستقطب عائلات من دول الخليج المجاورة، إلى الحد الذي باتت فيه الطاقة الاستيعابية للمركز عائقاً حقيقياً أمام تلبية الطلب المتزايد. ويكشف ربيعة عن نتيجة استند إليها في تجربته العملية مع عشرات الحالات: أن نسبة النجاح في تحسّن الأطفال المصابين بالتوحد عبر هذا العلاج تصل إلى نحو 80%، مضيفاً أن الأطفال الذين يبدأون ممارسة ركوب الخيل من سن الرابعة فما فوق يكونون أقل عرضة لتفاقم أعراض الاضطراب، أو تخف حدتها بشكل ملحوظ مقارنة بأقرانهم الذين لم يخضعوا لهذا النوع من التدخل المبكر.
تحديات لا يمكن تجاهلها
رغم كل هذا الزخم من النتائج الإيجابية، يبقى العلاج بالفروسية بعيداً عن أن يكون خياراً متاحاً بسهولة لكل أسرة تحتاجه. فالطاقة الاستيعابية المحدودة للمراكز المتخصصة تعني قوائم انتظار طويلة نسبياً أمام عائلات تتوق لبدء رحلة العلاج بأسرع وقت ممكن، خصوصاً أن أغلب الدراسات تشدد على أهمية البدء المبكر كعامل حاسم في جودة النتائج. كما أن هذا النوع من العلاج، الذي يتطلب بنية تحتية متخصصة من إسطبلات مؤهلة وخيول مدرّبة تدريباً علاجياً دقيقاً وفريق طبي متكامل، يبقى في كثير من الأحيان خياراً إضافياً مكمّلاً للعلاجات التقليدية لا بديلاً كاملاً عنها، وهو ما يستدعي دعماً مؤسسياً أوسع لتخفيف العبء عن الأسر. يضاف إلى ذلك تحدٍ توعوي: فكثير من الأسر لا تزال تجهل أساساً وجود هذا الخيار العلاجي، أو تتردد في تجربته لاعتقادها أنه مجرد نشاط ترفيهي لا علاقة له بخطة علاجية جادة، في حين يؤكد المختصون أن العلاج بالفروسية، حين يُدار بإشراف طبي متخصص ووفق بروتوكولات مدروسة، هو أداة تكاملية حقيقية تُضاف إلى جانب العلاج السلوكي والنطقي والوظيفي التقليدي، لا تُغني عنه.
إجماع بلا برنامج
بين طفل مدّ يده لأول مرة نحو كائن لم يعتد الاقتراب منه، وطفلة تحوّل خوفها التدريجي إلى انتظار يومي بفارغ الصبر، تتقاطع تجربتا محمد وسارة عند حقيقة واحدة يكررها كل من عايش هذا النوع من العلاج عن قرب: أن الحصان، بصمته وثباته، يفتح للطفل التوحدي باباً للتواصل لم تستطع سنوات من العلاج التقليدي وحدها أن تفتحه بالسرعة نفسها. هذه الشهادات الفردية، وإن بدت مؤثرة، لا تكفي وحدها لبناء سياسة صحية متكاملة. فالتجربة السعودية، ممثلة في برامج مدينة سلطان بن عبد العزيز للخدمات الإنسانية، أثبتت جدواها ميدانياً، لكنها لا تزال تفتقر إلى الغطاء البحثي الذي يحوّل الملاحظة السريرية إلى معيار علمي قابل للتعميم والتمويل المؤسسي. وفي المقابل، تقدّم تجربة إقليمية كمركز «فارس الفرسان» في البحرين أنموذجاً يوضح ما يمكن أن يبدو عليه هذا العلاج حين يحظى بدعم مستمر وطاقة استيعابية متنامية، وإن كان الإقبال المتزايد عليه من خارج حدوده يكشف في الوقت ذاته فجوة إقليمية في عدد المراكز المتاحة.
يبقى السؤال إذن ليس فيما إذا كان هذا العلاج فعّالاً -فالإجابة باتت أقرب إلى شبه إجماع بين المختصين والأسر على حد سواء -بل فيما إذا كانت الجهات الصحية والأكاديمية في المملكة مستعدة لنقله من كونه تجربة محدودة في مركز أو اثنين، إلى برنامج وطني موثّق علمياً ومتاح لكل أسرة تحتاجه، بدل أن يبقى، كما هو حاله اليوم، فرصة يحظى بها من يعرف عنها فقط.
إقرأ المزيد


